محمد جمال الدين القاسمي

424

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

الثاني - قال الخفاجي : قيل : الآية تدل على أنه يحلّ أخذ الأجر للتعليم وتبليغ الأحكام . قال : وللفقهاء فيه كلام . انتهى . وعكس بعض مفسري الزيدية حيث قال : في هذا إشارة إلى أنه لا يجوز أخذ الأجرة على تعليم العلوم ، لأن ذلك جرى مجرى تبليغ الرسالة . انتهى . أقول : إن الآية على نفي سؤاله صلى اللّه عليه وسلم منهم أجرا ، كي لا يثقل عليهم الامتثال . وأما استفاده الحل والتحريم منها ، ففيه خفاء . والقائل بالأول يقول : المعنى لا أسألكم جعلا تعففا . أي : وإن حلّ لي أخذه . وبالثاني : لا أسألكم عليه أجرا لأني حظرت من ذلك . قال ابن القيّم : أما الهدية للمفتي ، ففيها تفصيل : فإن كانت بغير سبب الفتوى ، كمن عادته يهاديه أو من لا يعرف أنه مفت ، فلا بأس بقبولها ، والأولى أن يكافأ عليها . وإن كانت بسبب الفتوى ، فإن كانت سببا إلى أن يفتيه بما لا يفتي به غيره ممن لا يهدي له ، لم يجز له قبول هديته . لأنها تشبه المعاوضة على الإفتاء . وأما أخذ الرزق من بيت المال ، فإن كان محتاجا إليه ، جاز له ذلك . وإن كان غنيّا عنه ، ففيه وجهان : وهذا فرع متردد بين عامل الزكاة ، وعامل اليتيم . فمن ألحقه بعامل الزكاة قال : النفع فيه عام ، فله الأخذ . ومن ألحقه بعامل اليتيم منعه من الأخذ . وحكم القاضي في ذلك حكم المفتي ، بل القاضي أولى بالمنع . وأما أخذ الأجرة فلا يجوز ، لأن الفتيا منصب تبليغ عن اللّه ورسوله ، فلا يجوز المعاوضة عليه ، كما لو قال : لا أعلمك الإسلام والوضوء والصلاة إلا بأجرة . أو سئل عن حلال أو حرام ؟ فقال للسائل : لا أجيبك عنه إلا بأجرة ، فهذا حرام قطعا ، ويلزمه ردّ العوض ، ولا يملكه ، انتهى . و في حديث عبد الرحمن بن شبل عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال : اقرءوا القرآن ، ولا تغلوا فيه ، ولا تجفوا عنه ، ولا تأكلوا به ، ولا تستكثروا به - أخرجه الإمام أحمد « 1 » برجال الصحيح . وأخرجه أيضا البزار وله شواهد - . و أخرج أحمد « 2 » والترمذي - وحسّنه - عن عمران بن حصين أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال : من قرأ القرآن فليسأل اللّه تبارك وتعالى به ، فإنه سيجيء قوم يقرءون القرآن يسألون الناس به .

--> ( 1 ) أخرجه في المسند 3 / 428 . ( 2 ) أخرجه في المسند 4 / 432 .